هل يعيد طريق القطب الشمالي رسم خريطة التجارة العالمية؟
طلال أبوغزاله
لم تعد خريطة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا كما كانت قبل سنوات معدودة، فاضطرابات البحر الأحمر، والمخاطر المحيطة بالمرور وما يترتب على تغيير مسارات السفن من وقت وتكلفة، دفعت شركات الشحن إلى البحث عن بدائل لم تكن تحظى باهتمام. منها طريق يمر في أقصى شمال العالم، بمحاذاة الساحل الروسي، حيث يفتح تراجع الجليد في أشهر الصيف نافذة للملاحة بين المحيطين الهادئ والأطلسي. ولفهم أهمية هذه الخطوة، ينبغي أولًا التمييز بين القطبين، الشمالي والجنوبي، فالأخير كتلة قارّية تغطيها طبقات سميكة من الجليد، تحيط بها مياه المحيط الجنوبي. أما القطب الشمالي فهو محيط تحيط به اليابسة، وتغطي أجزاء واسعة من مياهه طبقات جليدية تتغيّر مساحتها وسماكتها مع الفصول.
هذا الاختلاف الجغرافي بين القطبين هو ما يجعل الملاحة التجارية عبر الشمال ممكنة في ظروف معينة، وهو جزءٌ من فكرة أوسع تسعى الصين إلى تطويرها تحت اسم طريق الحرير القطبي إلى الأسواق الأوروبية والأميركية، الذي ورد صراحة في وثيقة السياسة الصينية الخاصة بالقطب الشمالي، ففي أغسطس/ آب الماضي انطلقت سفينة من ميناء نينغبو- تشوشان، وهو أحد أكبر الموانئ البحرية وأكثرها ازدحاماً في العالم، في أول رحلة ضمن خدمة شحن حاويات موسمية معلنة تربط الصين من مقاطعة تشجيانغ بشمال أوروبا عبر القطب الشمالي.
لم تكن الرحلة تجريبية لسفينة واحدة؛ فقد أعلنت الشركة المشغّلة خطّة تتضمن ثماني رحلات خلال شهرين في مسعى لنقل المسار من نطاق الرحلات التجريبية المتفرقة إلى خدمة لها جدول يمكن للتجار وشركات النقل التعامل معها. لكن ما يلفت النظر ليس وصول السفينة إلى أوروبا فقط، بل أيضاً أنها أظهرت كيف يمكن استخدام الطريق في نقل بضائع صناعية صينية ذات قيمة مرتفعة، منها معدّات لتخزين الطاقة، وبطاريات، ومكونات للطاقة الشمسية ومركبات الطاقة الجديدة.
المسار القطبي يختصر المسافة في بعض الرحلات بين موانئ شرق آسيا وشمال أوروبا
ولكن، لماذا تحتاج الصين إلى هذا المسار أصلاً، وهي التي بنت خلال عقود شبكة واسعة من الموانئ والخطوط البحرية وشراكات النقل حول العالم. يرتبط الجواب بطبيعة التجارة الصينية نفسها، فالصين تعتمد على حركة ضخمة من الصادرات والواردات، وأي اضطراب طويل في أحد الممرّات البحرية الرئيسية يمكن أن ينعكس على مواعيد التسليم وكلفة النقل وتوافر الحاويات. كما توضح تجارب السنوات الأخيرة أن المسارات المعتادة ليست محصّنة من المخاطر السياسية والأمنية.
لا تحتاج بكين طبعا أن يستحوذ الطريق القطبي على التجارة بين آسيا وأوروبا، كي يكون مفيداً لها، ويكفي في المرحلة الحالية أن يضيف خياراً قابلاً للاستخدام في ظروف معينة، وأن يمنح شركاتها خبرة في ممر قد تزداد أهميته مع تغير المناخ وتبدّل موازين التجارة، لكن الاختبار الأهم يبقى اقتصادياً: هل يستطيع الطريق أن يقدم خدمة موثوقة، بكلفة تنافسية، لا مجرد رحلة أقصر على الورق. وإذا اتسع استخدامه في السنوات المقبلة، فمؤكدٌ أنه لن يقتصر أثره على الصين وأوروبا؛ إذ سيعيد طرح أسئلة عن موقع الممرّات البحرية التقليدية في شبكة التجارة العالمية، وهو ملف يستحق بحثًا مستقلًّا عند النظر إلى مستقبل قناة السويس وانعكاساته على مصر والموانئ العربية.
مقال الدكتور طلال أبو غزاله منتصف الشهر
22 تشرين الأول 2026