كتبوا عن طلال أبوغزاله

28 تشرين الأول 2020
كتب علي عبيدات

إلى السيد طلال أبو غزالة وله كل الاحترام طبعا، فأنا تربيت في بيوت أهلي ولا أسيء إلا لمن يسيء وأنت لم تهن أحدًا:

الخال طلال أبو غزالة المحترم، أنا من بيئة لا تفهم التنظير جيدًا عند الشدائد. تخيل مثلا أن قرويًا ذهب لآخر وقال له:" معك عشرين نيرة تا اقضب؟"، ورد عليه بتنظير مطول ليس من ضمنه أية عشرين نيرة! يعني "خير ما فيه بس دُخّانه بِعمي". 

يا خال، نحن في الأردن من قرية واحدة كانت تأكل كلها نفس الطعام، برغل وصلصة بندورة بخبز ومليحي قليل الدسم مثلا. البيوت بالطين والحجر السميك والشيد، الملابس أثواب ومزانيك وشنابر ومناديل والحفاة أكثر من أصحاب الوطيات والصرامج، العرس بشبابة واحدة، دبكة واحدة، اغنية واحدة، فرشة صوف وحفّ ركب واحد.

كانوا يتزفرون حين تسقط بقرة في القناة أو الشريعة أو حين تبتلع كيسا أو تلچعها أفعى. فغمة الطماطم وفحل البصل وجغمة الرائب رفاهية يشبهون صاحبها بفاعور السلط او إيميل فركوح. سواسية كأسنان مشط القمل الأبيض.

الجهل واحد، حجاب المحبة واحد، التبارك بالميت واحد، سواء كان الولي المقرفص او الشيخ ارشيد او سيدي سالم العمري. حين كان أحدهم يسنُ دجاجة وتمعطها زوجته وترمي الريش باب البيت، كانوا يخبؤون الأطفال حتى يشبع الضيف ويأكلون الفضلة. كان الدوش مزرابًا يقف تحته الرجل بعد أن يجلدَ حلاله، والمرأة في غرفة المعيشة على مقعد تقطيع اللحم وامامها ماء وسكر. سواسية كأسنان مشط القمل.

حين مَدَنتْهُم الدولة تسابقوا على نجوم الضباطية وراتب الثمن نيرات، ثم تمدنوا في التعليم وتسابقوا على لقب إستاد وتكتور، صار مفضي "يتطنج" ولا يساعد أهله في الزراعة "عليه قرايا" وأمه حريصة على أن يصبح ابنها مثل ابن نهلة المحمود. تقاعد الضابط وأصبح منظرا بالخطط الحربية (عمره ما فات هوشة) ودرس مفضي وأصبح منظرا وهما الآن جائعان. 

باعوا الأرض، احتجزهم الجيش، سجنتهم الجامعة. وبدأ التكبر على بعضهم، أبو الملازم راح وأم التكتور إجت، ثم ضاعوا وتحول المجتمع الزراعي إلى مجتمع يقول :"الإنقليزي والرياضيات عليهن طلب". وتعينوا بالانجليزي والرياضيات واصبحوا منظرين بتخصصاتهم وهم الآن جياع. 

بعد أن كبر هذا الجيل (مواليد 1940 وما بعد) لم يجدوا شيئا يتنافسون فيه، في كل بيت شهادات جامعية وفي كل بيت "زابط بالجيش"، وبدأوا يتنافسون بأمجاد اجدَادهم الطفرانين، لأنهم بلا حاضر ذهبوا إلى الماضي (لما كنا سواسية مثل أسنان مشط القمل). ها هم الآن منظرون بالتاريخ وجياع.

في المِحن تهتزُ السيوف وتتقطعُ الأوداج حميةً وتلمعُ أمّات الخمسين. يا خال!

 



login