Pens and Opinions

20 Oct 2026
طلال أبوغزاله حين يقرأ المستقبل بعين الحاضر
إحسان التميمي
تابعت كما غيري الكثيرين مقابلة الدكتور طلال أبوغزاله  عبر قناة رؤيا والتي قدّم خلالها قراءة تتجاوز الأحداث الراهنة إلى ما تحمله من مؤشرات على مستقبل الاقتصاد العالمي وموازين القوى في العالم، ولاحظت من خلال متابعتي أنه  لا يتوقف عند حدود قراءة الأحداث، بل ينطلق منها لفهم ما وراءها، واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه الاحداث في العالم، وهذه في تقديري، إحدى السمات التي تميز المفكر العربي أبوغزاله؛ فهو لا ينظر إلى الاقتصاد بمعزل عن السياسة، ولا إلى التكنولوجيا بمعزل عن موازين القوة، ولا إلى مستقبل الدول بعيدًا عن قدرتها على امتلاك أدوات إنتاجها ومعرفتها.
ففي قراءته للتحولات العالمية، تبدو الفكرة الأساسية التي يطرحها واضحة المعالم فالعالم لا يتغير على هامش الصراع بين القوى الكبرى، بل يعاد تشكيله في قلب هذا الصراع الذي بدأ في الحرب الروسية الأوكرانية وامتد إلى الحرب الإمريكية الإيرانية؛ ومن هنا، فإن فهم ما يجري لا يكفي ما لم يقترن بالاستعداد لما هو قادم، بعيدًا عن الاكتفاء بردود الفعل أو الاطمئنان إلى معادلات لم تعد ثابتة.
ومما يستحق التوقف عنده طويلا في فكر أبوغزاله هو انتقاله من تشخيص الأزمات إلى السؤال عن قدرة الدول على مواجهتها والصمود فالاستقلال الاقتصادي، في هذا السياق، ليس شعارًا سياسيًا، بل قدرة فعلية على الإنتاج خصوصا فيما يتعلق بالغذاء والدواء، وامتلاك المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير التعليم، وبناء الكفاءات التي تجعل الدولة شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون.
ومن خلال متابعتي لطرحه، أرى أن التعليم والمعرفة يشكلان جوهر هذه الرؤية؛ فالدول التي لا تستثمر في امكانيات أبنائها ستجد نفسها مضطرة إلى استيراد حلولها من الخارج، وربما قراراتها أيضًا، أما امتلاك المعرفة، فيمنحها مساحة أوسع للاختيار والمنافسة، ويحول التحديات إلى فرص ممكنة للنجاح.
إن قراءة فكر طلال أبوغزاله لا تقتصر على الاتفاق مع كل توقع أو تقدير يطرحه، بل تتطلب التوقف عند الأسئلة التي يثيرها والتي تهم جميع الفئات: هل نحن مستعدون لعالم تتسارع فيه التحولات؟ وهل نمتلك من التعليم والإنتاج والتكنولوجيا ما يكفي لحماية مصالحنا وصناعة مستقبلنا؟
في المحصلة، تكمن أهمية هذا الفكر في أنه يدفعنا إلى النظر أبعد من الحدث، وإلى التعامل مع المستقبل بوصفه مسؤولية تبدأ قراراتها من الحاضر. فالمستقبل لا ينتظر من يراقبه، بل يكافئ من يستعد له.
login