أبوغزاله يكتب

22 تموز 2026
القدرة الحاسوبية هي أساس النفوذ العالمي

طلال أبوغزاله
بصفتي طالبًا دائمًا طوال حياتي، راقبتُ كيف يعيد العالم تنظيم نفسه حول مراكز قوة جديدة. نشأتي لاجئًا في لبنان علّمتني مبكرًا أن القوى العالمية تشكّل مصير الأفراد والدول بطرق غالبًا ما تكون غير مرئية، إلى أن تصبح فجأة حاسمة. وعندما أسست لاحقًا مجموعة طلال أبوغزاله العالمية (TAG.Global) كواحدة من أوائل المؤسسات القائمة على المعرفة في المنطقة العربية، فعلتُ ذلك لإيماني بأن رأس المال الفكري سيتفوق في نهاية المطاف على الموارد الطبيعية كأساس للتقدم. واليوم، يتمثل هذا في القدرة على إنتاج والتحكم في منظومة التقنيات الحاسوبية، التي تشمل الرقائق المتقدمة، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية السحابية، وقدرات الطاقة، ومراكز الحوسبة عالية الأداء. فالدول التي تصمم وتتحكم بهذه العناصر هي التي سترسم ملامح المستقبل.
أذكر أنني خلال زيارتي للصين في ثمانينيات القرن الماضي، في وقت كان العالم يخشى هيمنتها في مجال الإلكترونيات. إن أكثر ما أثار إعجابي لم يكن حجم مصانعها، بل انضباطها في التخطيط طويل الأمد والتزامها بالبحث العلمي. هذه العقلية نفسها تميز اليوم الدول المتقدمة في مجال الحوسبة. فالولايات المتحدة والصين وتايوان وكوريا الجنوبية وغيرها، بنت منظومات متقدمة للغاية لدرجة أن بقية العالم يعتمد عليها في الرقائق التي تشغل كل شيء، من شبكات الاتصالات إلى أنظمة الأمن القومي. وقد أصبح هذا الاعتماد اليوم مسألة جيوسياسية واستراتيجية تعيد تشكيل العالم.
في السنوات الأخيرة، تحدثتُ مع قادة تقنيين في مختلف أنحاء العالم العربي، وأعربوا عن قلقهم من أن بلدانهم أصبحت مستخدمًا متحمسًا للذكاء الاصطناعي دون بناء البنية التحتية اللازمة لتوجيهه. وغالبًا ما أستحضر لحظة مبكرة في مسيرتي المهنية أدركتُ فيها أن الاعتماد على الآخرين في الملكية الفكرية سيُبقي منطقتنا متأخرة بشكل دائم. وقد قادني هذا الإدراك إلى تأسيس أول منظمة في العالم العربي مكرسة لحماية الملكية الفكرية (AGIP). وينطبق المبدأ ذاته اليوم: إذا لم نبنِ قدراتنا الحاسوبية الخاصة، فسنبقى معتمدين على غيرنا.
لقد أصبحت مراكز البيانات بمثابة المناطق الصناعية في العصر الرقمي. فالدول التي كانت تتنافس سابقًا على استضافة المصانع، باتت اليوم تتنافس على استضافة البنى التحتية السحابية. لكن الاستضافة ليست كالملكية؛ فالطرف الذي يملك التكنولوجيا، وليس الذي يستضيفها، هو من يضع القواعد. قد تحقق الدولة التي توفر الأرض والطاقة لمنصات أجنبية فرص عمل، لكنها لا تحقق السيادة. فالقوة الحقيقية تكمن في التحكم بالبيانات والنماذج والقدرة الحاسوبية التي تشكّل عملية صنع القرار الوطني.
هذا الانقسام الناشئ يمثل خطرًا خاصًا على دول الجنوب العالمي. فالكثير من الدول النامية تتبنى الذكاء الاصطناعي دون بناء الأسس اللازمة لإنتاجه. وعندما تعتمد دولة ما على منصات خارجية في التعليم والرعاية الصحية والتنبؤ الاقتصادي والإدارة العامة، فإنها تخاطر بتفويض مستقبلها للآخرين. لقد رأيت هذا النمط من قبل؛ فالدول التي تعتمد على المعرفة المستوردة نادرًا ما تصبح منتجة للابتكار. والاعتماد الحاسوبي ليس سوى أحدث تجليات هذا التحدي القديم.
ورغم هذه المخاطر، ما زلت متفائلًا. فالجنوب العالمي، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، يمتلك فرصة تاريخية. فنحن نملك موارد الطاقة، والموقع الجغرافي، والقدرات المالية التي تؤهلنا لنكون مركزًا عالميًا للحوسبة. وغالبًا ما أسترجع البدايات الأولى لتأسيس TAG.Global، حين كانت الموارد محدودة لكن الطموح كان كبيرًا. تلك الروح في البناء رغم التحديات هي بالضبط ما تحتاجه منطقتنا اليوم.
إن الدول التي تدرك أن القدرة الحاسوبية مورد استراتيجي ستضمن مكانتها في المستقبل. أما التي تتأخر، فستجد نفسها في حالة اعتماد دائم على القرارات التكنولوجية للآخرين، متأرجحة تحت تأثير شكل جديد من السيطرة يمكن أن أسميه “الاستعمار الحاسوبي”. إن السيادة في القرن الحادي والعشرين ستعود لأولئك القادرين على التفكير والحوسبة والابتكار بأنفسهم، والذين يمتلكون أعظم قدرة على توليد وتوجيه القوة الحاسوبية.
login