طلال أبو غزاله
Search الصفحة الرئيسية :: الرّوابط :: اتصل بنا :: خريطة الموقع

منقوشة بزعتر ... و 10 ملايين دولار

بقلم الصحفي محمد السماك
مجلة آخر الأسبوع 1/5/1978
 

  خلال الفترة دراستي في القسم الابتدائي كنت دائما الأول في صفي ( ما زلت احتفظ بالشهادات المدرسية حتى الآن ! ) إلى أن جاء الفلسطينيون مهاجرين إلى لبنان في العام 1968. فتراجعت إلى المرتبة الثالثة حتى أنهيت دراستي الثانوية في كلية المقاصد .

  كان الأول , فلسطيني يدعى يوسف قسطنطيني .. لا ادري ماذا حل به.. أما الثاني فكان فلسطينيا أيضا, وهو طلال أبو غزالة. كان يوسف دريسا من الدرجة الأولى .. وكان يحفظ النصوص مع الفواصل والنقاط ..وكان طلال ذكيا من الدرجة الأولى نادرا ما يحفظ نصا ..
إلا انه كان سريع الهضم يفترس المعرفة, يمضغ المعلومات. يهضمها .. حتى تصبح منه اللحم والدم .

  وبعد المرحلة الثانوية , توجه طلال إلى الجامعة الأمريكية لدراسة إدارة الأعمال .. وتوجهت أنا إلى دراسة " الإنسانيات " والعلوم السياسية.

وبعد التخرج هاجر طلال إلى الكويت .. يعمل في حقل اختصاصه الإدارة .. والمال..

  ورابطت أنا هنا في بيروت اعمل في حقل اختصاصي الصحفي , ومرت سنوات طويلة لم أر لطلال أبوغزاله وجها .. وان كنت أتسقط أخباره من وقت لآخر كزميل في الدراسة ورفيق في الطفولة حتى أنني كدت افقد ملامح صورة وجهه.. إلى أن فوجئت في الأسبوع الماضي بنبأ عنه يتصدر الصحف اللبنانية :-  طلال أبو غزالة يتبرع بعشرة ملايين دولار لبناء كلية لإدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في بيروت ...

  لا ادري لماذا تذكرت على الفور قصة المنقوشة بزعتر , كان ذلك في العام 1950 , وكان طلال أبوغزاله يعيش مع عائلته في الطريق الجديدة في بيروت كمعظم العائلات الفلسطينية المهاجرة , في بيت صغير متواضع جدا , كان دون العاشرة من عمره . في مثل سني, إلا انه كان شقيا هادئا.. ومحرضا بريئا.. يحرض , فتقوم الثورة في الصف أو في الملعب . ولكنه يبقى بعيدا وكأنه في عالم آخر لا يمت إلى ما صنعت يداه بصلة ! .

  ذات يوم جئت إلى المدرسة بمنقوشة بزعتر .. ( أو صعتر ) وجاء طلال برغيف من الجبن الأبيض , وكان العادة أن نتبادل متقاسمين الطعام خلال فرصة الساعة العاشرة , يومها لم تعجبني جبنه طلال , أما هو فكان يسيل لعابه للمنقوشة . عبثا حاول إقناعي بتبادل النصف بالنصف .. ولكني لم اكتف بالرفض بل تعمدت أسلوب الإغراء ألتشويقي في التهامي لها. فما كان من طلال إلا أن غرر باثنين من الأتراب, فامسكا بي.. وتولى هو تشليحي المنقوشة .


  اذكر أن المرحوم اميل البستاني قال لي عندما تبرع ببناء القسم الداخلي ( للبنات ) في الجامعة الأمريكية في بيروت , انه انفق على دراسته الجامعية في الولايات المتحدة من دخله كغاسل للصحون في احد المطاعم ..واذكر انه قال لي أيضا : " ولكني رغم ذلك لا أحب أن أرى فتاة عربية تعمل في غسل الصحون في بيروت للأنفاق على دراستها الجامعية " .

  وعندما أزيح الستار عن اللوحة التذكارية لمبنى القسم الداخلي ( الذي يحمل اسم أرملة المرحوم البستاني ): أنني أتصور أن تحمل كل مباني الجامعة في المستقبل أسماء المتبرعين بإنشائها من العرب ".

  يومها قلت مازحا : ولكن كم هو عدد أصحاب الملايين من العصاميين العرب الذين مولوا دراستهم بغسل الصحون .. أو شطف الشوارع ؟ .. لم يجب اميل البستاني .. ولعله ترك الجواب إلى طلال أبوغزاله المهاجر اللاجئ .. الذي استطاع بعصاميته ومثابرته أن يبني إمبراطورية في عالم مهلل وممزق !

  فمن لا شيء تقريبا , من معركة على نصف منقوشة بزعتر , وأصبح طلال أبو غزالة وهو في العقد الرابع من عمره ,قادرا على رعاية كلية طلال أبوغزاله للاعمال للدراسات العليا في الجامعة الامريكية في بيروت.

  وقد يكون, من المرجح أن يكون قادرا على أكثر من ذلك, غير أن القدرة المالية ليست في حد ذاتها في حجم المعجزة. المعجزة تكمن في اختيار هذه اللاجئ الفلسطيني, جامعة في لبنان لهذا الدعم.

  فإذا كان اختيار الجامعة الأمريكية كان عرفانا بفضلها حيث تلقى دراساته العليا , فان اختيار لبنان هو أيضا اعتراف بفضله كأول ملجأ له ولعائلاته .. بعد الهجرة الأولى في العام 1948.
***
 صحيح أن القضية الفلسطينية في لبنان تسببت في إلحاق الخراب والدمار في كثير من المرافق اللبنانية.
  ولكن .. هذا فلسطيني, يدعى طلال أبو غزالة.. يفضل أن ينير شمعة فلسطينية في لبنان.. بدلا من يسب ظلام المأساة التي يعاني منها اللبنانيون, والفلسطينيون على حد سواء..
 الآن..وبعد ثلاثين سنة تقريبا : أقول لطلال أبو غزالة .. صحتين وعافية .. كل المناقيش على حسابك !

   
print اطبع | E-mail ارسل الى صديق
 

key_sent_msg