فيروز قناة الشارقة ...وطلال "الجزيرة"
منذ كنت في المرحلة الثانوية وأنا متعلق بشخصية فيروز المتميزة وظل هذا الاسم الجميل في ذاكرتي إلى أن أعلنت أكثر من مرة ، بأنني كنت ومازلت وسأظل أحب فيروز وأفخر بالانجازات التي تحققت على يد فيروز مما أتاح لأن نطرح هذا الاسم قدوة للأجيال كمثال للجد والإخلاص والتفاني في المبادئ الحقة والمعاني السامية. فيروز رمز في القلب ونجم من نجوم القمة نسأل الله أن نكون معا في جنات النعيم ، فالمرء يحشر مع من أحب.
من فيروز؟ لا أقصد الفيروز أبادي صاحب كتاب "القاموس المحيط" أشهر كتب اللغة ، ولا فيروز الاحسائي الفقيه الحنبلي ، ولا فيروز لبنان صاحبة "حبيتك بالصيف ... حبيتك بالشتي" وإنما أقصد فيروز الديلمي رضي الله تعالى عنه. صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو من أهل اليمن وعلى رأس شريحة اجتماعية هناك يطلق عليها "الأبناء" وهم جماعة من الناس آباؤهم من الفرس الذين نزحوا من بلادهم إلى اليمن ، وأمهاتهم من العرب.
وعندما اشتكى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من مرضه الأخير وانتشر الخبر في أرجاء الجزيرة ، ارتد عن الإسلام رجل في اليمن يسمى عيهلة العنسي ويطلق عليه "الأسود العنسي" ومسيلمة الكذاب في اليمامة ، وطليحة الأسدي في بلاد بني أسد ، ولكل واحد من هؤلاء قصة. قناة "الشارقة" عرضت ليلة الخميس الماضي مشهدا دراميا لجبروت "الأسود العنسي" مع شيء من التصرف في الرواية التاريخية ، إلا أن المشاهد حوت معاني سامية ، قصة تخلص فيروز الديلمي من اغتياله للأسود العنسي في حجرة نومه وهي قصة عجيبة. كم إنسان يعرفها ويعرف معانيها.
بعد أن انتهت قصة فيروز طلبت من الحاضرين أن يبحثوا لنا عن قناة فيها موضوع فكري ثقافي ، وإذا بحوار عن العولمة الاقتصادية في قناة الجزيرة في برنامج "ضيف وقضية" أعجبني الضيف بتمكنه من الموضوع المطروح ، واستيعابه لأبعاده ، أحسست أنني أمام إنسان ليس فقط متخصصا وإنما ممارس ومحترف ، إضافة إلى المشاركات الدولية والوعي المستقبلي ، وإذ بالحاضرين من الجيل الذي يكبرنا يعرفونه جيدا ، إنه الأستاذ طلال أبوغزالة ، رئيس المجمع العربي للمحاسبين القانونيين. اذا سمعت تحليلاته لأبعاد العولمة الاقتصادية وارتباطاتها في التبعية السياسية والاجتماعية وتداعياتها على المنطقة النامية ، تضحك كثيرا على الفهم الساذج الذي يطرحه البعض حول موضوع العولمة ، ألفت الانتباه إلى أهمية استعانة الكاتب بأهل الاختصاص ، من الأمور التي طرحها الوهم الذي يعيشه دعاة السلام حيث أكّد أبوغزالة على أن السلام مع إسرائيل لا يحقق الانتعاش الاقتصادي بل العكس هو الصحيح. فبعد اتفاقية "أوسلو" انهار الاقتصاد الأردني والفلسطيني معا. وتناول مشكلة الملكية الفكرية في عصر العولمة مركزا على ثلاثة عناصر : 1 - العلامات التجارية 2 - الاختراعات 3 - حقوق المؤلف ، مبينا أن حقوق المؤلفين أكثر الملكيات الثلاث عرضة للنهب والقرصنة. الحوار كان غزيرا وثريا ومستنيرا. تمتع فيه الضيف برؤية واضحة لما يجب أن تقوم به الدول العربية تجاه العولمة الاقتصادية قبل أن تبتلعنا ونذهب في "ستين داهية". من آلية هذه العولمة التي سوف تكرس الطبقية الجديدة حيث سيزداد الفقراء فقرا والأغنياء غنى.
الأستاذ طلال أبوغزالة مواطن كويتي أعطى صورة ايجابية حضارية راقية لبلده في قناة الجزيرة ومحا صورة سلبية لمواطن آخر خرج من القناة أظهر الكويتيين كأنهم خدم للأمريكيين وعملاء للبيت الأبيض.
في الختام هذان نموذجان لبرنامجين في الشارقة والجزيرة يعطيان المشاهد غذاء فكريا وقيما وتنويريا. فكم تستطيع الفضائيات أن تبني وتنمي العقول والنفوس بالمفيد والممتع ، وكم هي في المقابل تمارس قدرا هائلا من التدمير.
محمد العوضي